السبت, 05 يناير, 2008
أجمل ما في الحوار الذي أجرته معي جريدة "أخبار قنا" التابعة لمؤسسة "الأسبوع" الصحفية أن من قام بإجراء الحوار معي واحد من أبرز شعراء الجيل في مصر، وإن كانت هموم الإقليم، وأعباء الأسرة والوظيفة قد جعلته بعيدا إلى حد كبير عن آلة الإعلام، ناهيك عن حيائه الفطري، "ذاك الحياء الذي يكبت الشوق حين تعانقه"* ، إنه الشاعر والمبدع فتحي عبد السميع، الذي آثرني بهذا التكريم في عدد يوليو 2001 من أعداد الجريدة، والذي كان نصه على النحو التالي:
أسامة جاد بعد عودته من عمان:
الطريق إلى القاهرة يمر عبر البلاد العربية
الأديب ليس مطالبا بأن يكون مؤسسة علاقات عامة
حزين لغياب المكان عن كتابات أدباء قنا
يعتبر أسامة جاد من أبرز الوجوه في الحركة الأدبية في قنا، رغم أنه انتقل مبكرا ليقيم في القاهرة، حيث عرفته المنتديات الثقافية بها شاعرا ومتحدثا في النقد، إلى أن انتقل إلى عُمان ليعمل بالقسم الثقافي في أكثر من جريدة هامة، وها هو بعد أعوام طويلة يعود في إجازة قصيرة، استغلتها "أخبار قنا" لتجري معه هذا الحوار حول تجربته الشعرية، ورأيه في الحركة الأدبية في قنا، بكل همومها ومؤرقاتها:
* ....................................؟
بدأت علاقتي بالشعر أثناء الثانوية العامة، وكان وقتها أفق اطلاعي محدودا بظروف المكان، وأذكر عندما عرضت أحد نصوصي على شخص مهم فسفّه النص، ثم عرضت عليه نفس النص على أنه لشاعر معروف؛ وكان النص في رأيه عبقريا ...!
*....................................؟
كانت البدايات ثرية بشيئين: الأول يتمثل في مجموعة من الأصدقاء وهم عبد الرحيم طايع، وحسن عدلي، وإيهاب عبد الستار، حيث كنا مجتمعين على ضرورة فهم الوجود من حولنا، والبحث عن إجابات لأسئلتنا الخاصة والساذجة، وكان الأمر يبدو كما لو كان مؤامرة للفهم، في واقع كل عناصره تحيلك لعدم الفهم.
أما الشيء الثاني فيتمثل في الشاعر أحمد فؤاد جويلي الذي لاح في الأفق وكان له عليّ فضل كبير، فضل المعلم الذي يكشف لك عن أشياء لم تكن تعرفها، وكان التجربة المبهرة أمامي، وتحولت في لحظة إلى راويته.
* .................................؟
علاقتي بأحمد فؤاد كانت تسبب لي تمزقا بين كينونتي الخاصة، وكوني ظلا للآخر، إلى أن بدأت تتشكل لي لغة تحمل شيئا من خصوصيتي التي كنت أبحث عنها، ولكنها خصوصية لم تتبلور في صيغة شديدة الوضوح، وكانت مرتبطة برغبة التحقق من خلال الصدق مع النفس، وكانت هناك مقولة للجويلي: "أنت تواجه أربعة عشر قرنا من الشعر، ولا بد أن تحاول إضافة شيء، وإلا فاسكت"، وهذا صعب جدا.
* ................................؟
بعد انتقالي إلى القاهرة كانت الحركة عجيبة، فكل يوم هناك احتكاك مستمر، حتى وصلت إلى حالة التشبع، وحتى كتبت نصا محملا بكل ما هو موجود في الواقع الشعري، من لغة رومانتيكية، إلى لغة مجازية، وكان فيه شيء من التحقق، ثم كانت الانتباهة في كتابة نصوص أخرى، فالنص ليس مجرد متعة إيقاعية، لأن المطرب العاطفي أجمل، والنص ليس إرضاء لمتلق يفرض عليك ذائقته، لأنك لستَ راقصة، النص تحقق خاص، وبحث عن إجابات لأسئلة محيرة، وعندما تصل إلى نص أطفأت جمر سؤالك ليشتعل سؤال جديد، وهنا كانت مرحلة مكطابدة النص.
* .............................؟
يمكن أن أزعم أن لدي مجموعتين شعريتين، ولدي تردد شديد في طرحهما بسبب أن مرحلتيهما مرت، والآن توجد نصوص مغايرة لتجربتي السابقة، سوف تصدر في مجموعة شعرية قريبا.
* ............................؟
يكمن جوهر المغايرة في تجربتي في عدم الاهتمام بالفخامة في بناء النص، وعناصر الشعر الموروثة والمكرس لها، كما كان في المرحلة الأولى، أما الآن فأصبح الاهتمام بالتقاطات تمثل طروحاتي الخاصة للحياة، والتي أعرف يقينا أنني سوف أتمرد عليها غدا، كما أصبحت اللغة أكثر بساطة، وأكثر إنسانية، واقترابا من الواقع.
*.............................؟
سأقول لك أمرا تندهش له،لقد تركت قنا منذ ما يزيد على ثمانية أعوام، وعندما عدت كان الحوار هو الحوار، وكأن أعواما ثمانية من عمر الحركة الأدبية لم تحدث شيئا جديدا، حيث يدور الدائرون في فلك أسئلة تنظيرية في الأساس، ولا يظهر شيء في النصوص، إلا من رحم ربي، فعكف على نصه وترك الجدل الذي لا يغني ولا يثمر، وما يحدثفي قنا يحدثفي مصر بشكل عام، فما زال الجدل قائما حول العديد من الثنائيات: قصسدة تقليدية أم حداثية، قصيدة تفعيلة أم قصيدة نثر، تجريب أم تخريب، وهكذا.
وفي لبنان على سبيل المثال حلت الإشكالية: فليكتب كل من يكتب على هذا النحو أو ذاك، ولكل جمهوره، ونحن لا نريد أبوية، كفانا آباء ألقوا بنا إلى مأزق الحياة، ولم يستطيعوا الدفاع عنا أمام أسئلتها المتكررة، فأبي لا يندهش دهشتي، وأبي مدجج بيقين يلغيني أمامه، فيما أقاتل بشراسة كطفل يضرب الأرض بأقدامه ليؤكد وجوده.
*.............................؟
الحل في نظري أنه "ليست هناك مشكلة"، الحل هو أن ننتبه إلى أنه ليست هناك مشكلة، ويجب أن ننفتح على النص، ونتركه يغزونا، ونبتهج كثيرا، بينما عندما تغلق ذائقتك أمام النص فلن يخسر النص شيئا.
*...............................؟
ثمة رموز كنت ملهوفا للبحث عن منجزها، وقد جذب انتباهي منجز فتحي عبد السميع، خاصة بعد أن قابلت الناقد السوري المعروف صبحي حديدي وأخبرني أنه قرأ تجربة فتحي عبد السميع واعتبرها واحدة من أبرز تجارب الجيل في مصر متوازيا مع عماد أبو صالح في القاهرة، وكان فتحي وعماد هما الاسمان الوحيدان اللذان ذكرهما، وتابعت بفرح مجموعتي سمير سعدي من حيث صدورهما ولكنني لم أفرح الفرح ذاته بعد قراءتهما، وتابعت تجربة لعبد الرحيم طايع بعنوان "غرقانين".. كتاب وصف الحالة" فاهتممت كثيرا بالتجربة، وأرشحها كمقترح هام لتجربة عامية قادمة، أما نصوصه النثرية فقد سمعت نصين أوثلاثة وأعجبت بها، ولكنني لم أتمكن من الوقوف على دراستها، أما أشرف البولاقي فيكتب نصا جميلا ويبحث عن نصه الفارق، هناك وعي لغوي ولكن يبقى الكثير، وتابعت مصطفى جوهر حيث تعددت التجارب وتراوحت بين حساسية مغايرة ونصوص تحيلك إلى شعراء آخرين، ولم أستطع متابعة تجربة أمبارك إبراهيم ولا محمود مغربي، ولا يمكنني الحكم.
*..........................؟
تشغلني محدودية الطموح لدى أديب قنا، وأقترح أدباء قنا ككيان يؤكد انهيار قيمة ثقافة المركزلصالح ثقافات الأطراف، شرط أن يكون الهم أكثررحابة من حدود حيزمكاني محدود.
*..........................؟
أنت لست مطالبا بأن تكون مؤسسة علاقات عامة لكي يصل صوتك، وعلى المؤسسة أن تستقطبك وتستقطب صوتك، ولو ذهبت للقاهرة لأصبحت نجما "إعلاميا"، ولكن لاحترقت مبدعا، لأن اللعبة أصبحت شيئا آخر لا علاقة له بالأدب أو قلته، وطبيعي جدا أن لا يصل صوتك كمبدع في قنا طالما ليست هناك حركة نقدية موجودة في قنا تتماشى مع المبدعين ونتاجاتهم بصورة يومية وتقدمهم في طروحاتهم التي تنتشر على مستوى مركزي، ولكن ذلك لا يثير كثيرا من الدهشة، فالنقد العربي كله مازال غائبا عن عن العالم، ومثلا قدم أحد النقاد الروس الذي يدرس الحكاية الشعبية مائة حكاية قديمة انطبقت عليها نظرية معينة، فأخذت يمنى العيد حكاية يمنية وطبقت عليها ذات النظرية غير منتبهة لاجتزاء الناقد الروسي لحكاياته، ثم عممت الافتراضية من حكاية واحدة في اليمن على كل الحكايات الشعبية العربية، وهناك أمثلة كثيرة جدا تدل على أننا غير علميين في تقدنا، وغير جادين أيضافي الوصول إلى نتائج حقيقية، نحن نجعجع كثيرا ولا طحن هناك.
*...........................؟
يمكن أن يحقق الأديب القنائي خصوصيته من خلال الاهتمام بالمكان، بالموروث الشعبي، بالثقافة البصرية، بنسيج العلاقات، بطبيعة اللهجة، فالقنائي هو الوحيد الذي يقول يوم "التنين" وهو يعني الإثنين.
*...........................؟
قدر المكان أنه زاخر بالتفاصيل الفنية التي تجعله من أكثر أماكن مصر خصوصية، ولا بد أن تظهر تلك الخصوصية بصورة أو بأخرى في نص ينتمي لكاتب من هذا المكان، وأنا حزين لأن ذلك ليس ظاهرا جليا أسلوبيا أو بنائيا أو حتى على مستوى الرؤية كما كان الأمر في نصوص أمل ويحيى الطاهر والأبنودي، ولا أدري لماذا، وأعتقد أنها نقطة تحتاج لإيضاح.
*......................؟
من المهم جدا أن ينفتح الأديب في قنا على الآخر العربي، وسوف يهبط على القاهرة محتفى به كما يستحق، والأشقاء العرب من المغرب إلى المشرق ينتظرونه أكثر مما ينتظره القاهريون، لأنه الأقرب لهم هما ولهجة وجدية، وإن كان أكثر خضرة وموروثا حضاريا، وهكذا يعود للقاهرة عودة الفاتحين، وعفيفي مطر نموذج، حيث تحقق في العراق قبل أن يتحقق في مصر.

نص الحوار
(0) تعليقات
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








